الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
336
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
أين العبودية من الربوبية أين المخلوقية من الخالقية ؟ انتهى ملخصا عما ذكره العلامة الحلي ( رضوان اللَّه تعالى عليه ) . الأمر الثامن : فلما شرب كميل من كأس إفاضاته عليه السّلام القدح المعلَّى والمشرب المهنّى ، وعلم أن الأمر أدق وأخفى مما ظنه ، فقال مستفيدا وملتمسا الزيادة منه عليه السّلام : زدني بيانا ، فقال عليه السّلام : " جذب الأحدية لصفة التوحيد " . قد يقال : إن معناه أن من خصائص الحقيقة أن يجذب بأحديتها وصف التوحيد عن الموحد ، رفعا لتوهم إثنينية بين الموحد والموحّد ، وزيادة هذا البيان لإفادته معنى التوحيد . وكيف كان فهذه الجملة تفسر بأمور : الأمر الأول : أن الجذب لغة بمعنى الجر والمدّ يقال : جذبت ثوبه ، أي أجذبته إليّ بشدة ، واللام في قوله عليه السّلام : " لصفة التوحيد " ، إما بمعنى إلى كما في قوله تعالى : سقناه لبلد ميت 7 : 57 ( 1 ) وإما بمعنى التعليل فالمعنى حينئذ إن الحقيقة وحقيقة التوحيد جذبه تعالى عبده إلى صفة التوحيد وحقيقته ، أو جذبه إليه تعالى لعلَّة صفة التوحيد ، أي حقيقة الوحدانية إذا ظهرت في قلب عبد تجذبه إليه تعالى . وفي هذه الجملة إشارة إلى ما تقدم من : أن ظهور الحقيقة إنما هو في حال الجذبة لا غير ، فظهور حقيقة التوحيد لا محالة يكون بالجذبة ، وهي كانت مراده في الجمل السابقة باطنا إلا أنه لما طلب الزيادة للبيان صرّح بها عليه السّلام للبيان . وكيف كان فالجذبة هو الأصل في ظهور هذه الحقائق والأمور للسالك ، وهي عند أهل المعرفة عبارة عن إدناء اللَّه تعالى عبده إليه بالعنايات الإلهية ، وهي إما قبل السلوك فتصير سببا لسلوك العبد ، فيقال حينئذ للسالك : المجذوب السالك ، وإما بعده أو في أثنائه فيقال له : السالك المجذوب . وكيف كان : فلا بد من الجذبة ولا يعدلها شيء من الأعمال المقربة في السلوك ،
--> ( 1 ) الأعراف : 57 . .